القرطبي

204

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق ( 1 ) يريد صوت عناق . نظيره في سورة الحديد " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض " [ الحديد : 21 ] ( 2 ) واختلف العلماء في تأويله ، فقال ابن عباس : تقرن السماوات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض ، فذلك عرض الجنة ، ولا يعلم طولها إلا الله . وهذا قول الجمهور ، وذلك لا ينكر ، فإن في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ( 3 ) ألقيت في فلاة من الأرض ) . فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدا من السماوات والأرض ، وقدرة الله أعظم من ذلك كله . وقال الكلبي : الجنان أربعة : جنة عدن وجنة المأوى وجنة الفردوس وجنة النعيم ، وكل جنة منها كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض . وقال إسماعيل السدي : لو كسرت السماوات والأرض وصرن خردلا ، فبكل خردلة جنة عرضها كعرض السماء والأرض . وفي الصحيح : ( إن أدنى أهل الجنة منزلة من يتمنى ويتمنى حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى : لك ذلك وعشرة أمثال ) رواه أبو سعيد الخدري ، خرجه مسلم وغيره . وقال يعلى بن أبي مرة : لقيت التنوخي رسول هرقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحمص شيخا كبيرا قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل ، فناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قال : فقلت من صاحبكم الذي يقرأ ؟ قالوا : معاوية ، فإذا كتاب صاحبي : إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار ) . وبمثل هذه الحجة أستدل الفاروق على اليهود حين قالوا له : أرأيت قولكم " وجنة عرضها السماوات والأرض " فأين النار ؟ فقالوا له : لقد نزعت ( 4 ) بما في التوراة . ونبه تعالى بالعرض على الطول لان الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض ، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر

--> ( 1 ) بغام الناقة : صوت لا تفصح به . والعناق ( بالفتح ) : الأنثى من المعز . وويب ، بمعنى ويل . والبيت لذي الخرق الطهوي يخاطب ذئبا تبعه في طريقه . ( عن اللسان ) . ( 2 ) راجع ج 17 ص 254 . ( 3 ) في ه‍ : من حديد . ( 4 ) نزعت بما في التوراة . جئت بما يشبهها .